الشيخ محمد رشيد رضا
110
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقال مالك وأبو حنيفة بل يجب الحكم في كل فرد فرد سواء وجد للصحابة في مثله حكم أم لا وقد استدل الحنفية بتحكيم العدلين على كون المراد بالمثل القيمة قالوا لأن التقويم هو الذي يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون المماثلة . والظاهر خلاف ذلك لان قيم هذه الأشياء مما يعرفه كل الناس في الغالب ، وانما يحتاج إلى الاجتهاد والنظر في دقائق المشابهة بين الحيوانات الوحشية على كثرتها واختلاف صورها وطباعها وبين الانعام على قلتها وتقارب صفاتها . ومال الآلوسي إلى جعل كل من القولين محتاجا إلى هذا الاجتهاد من الحكمين ، جمعا بين مذهبه الأول ومذهبه الثاني ، إذ كان من فقهاء الشافعية ، ثم صار مفتي الحنفية . أما قوله تعالى هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ فمعناه أن ذلك الجزاء الواجب على قاتل الصيد يجب ان يكون هديا يصل إلى الكعبة ويذبح هنالك أي في جوارها حيث تؤدى المناسك ويفرق لحمه على مساكين الحرم . وقد تقدم في أول تفسير الآية الثانية من السورة ان الهدي لا يكون الا من الانعام فهو يؤيد ما ذهب اليه الجمهور من كون المماثلة في الجزاء انما تعتبر في الصفات والهيئات . وكلمة ( هَدْياً ) حال من ( فَجَزاءٌ ) بناء على أنه خبر ، أو من الضمير في قوله ( يَحْكُمُ بِهِ ) أو منصوب على المصدر أي يهدى هديا أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً قرأ نافع وابن عامر بإضافة « كفارة » إلى « طعام » أي كفارة طعام لا كفارة هدي ولا صيام ، والباقون بتنوين كفارة . أي فعلى من قتل الصيد وهو محرم معتمدا جزاء من النعم مماثل له أو كفارة طعام مساكين أو ما يعادل ذلك الطعام من الصيام . والعدل بالفتح المعادل للشيء المساوي له مما يدرك بالبصيرة والعقل كالعدل في الاحكام ، وبالكسر المعادل والمساوي مما يدرك بالحس كالغرارتين من الأحمال على جانبي البعير يسمى كل منهما عدلا ، هذا معنى ما قاله الراغب . وقال الزمخشري بعد ذكر القراءة الشاذة بالكسر : والفرق بينهما ان عدل الشيء ما عادله من غير جنسه كالصوم